متى يموت أبي
أيام بارده في شتاء البصره الجميله في العراق، إنه عصرٌ جميل فلا زحمة مركبات ولا شحه في المنازل، فتشم في صيفها عبق طلع النخيل ورائحة نبتة ملكة الليل، وتشم في شتائها زهور الحمضيات من برتقال وليمون، نلعب وننطنط أنا وإخواني وأخواتي فكلنا عصافير ولكن لا نطير، إنها ستينيات القرن العشرين.
أمي مرة ترفع صوتها علينا ومرة ترجونا أن نأكل ومرة تطلب أن نسكن وجميعنا متفقون على شيء واحد “متى يعود أبي للبيت”.
أبي، من لا يحب أبي! فهو الهيبة الوقور الكريم الحنون، من لا يسألني عن أبي! من لا يحسدني على أبي! فأبي هو أبي، كلهم معجبين بأبي، أمي، إخواني، أخواتي، أصدقائي، صديقاتي، معلماتي، الأعناب في حديقتنا، أشجار التوت العظيمة التي تحملنا يومياً على أكتافها لا تمل منا ولا يزعجها أكلنا حبات توتها الأسود والعسلي، والنسمات الباردة تسألنا عن أبي، حتى النجوم وظلمة الليل، فالدنيا كلها تسأل عن أبي.
كلنا حول أمي وكلنا ننتظر العشاء ونتفرج على التلفزيون الكبير وننتظر أبي، وكل لحظة نحدق في باب بيتنا الحديدي الفخم الكبير المزين بالزجاج والنحاس ففي لحظة يدخل أبي نتسابق لاحتضان كفيه الكبيرتين ونقول له بأعلى صوتنا “الله يساعدك بابا”.
في لحظات انتظار وهدوء، لحظات الوله واللهفه للقاء أبي .
شد انتباهنا كلنا مشهد في التلفزيون، وضعه غريب يتصارع أم يتفاوض مع خيال، شيء يحدث لا أدري ما هو، الرجل تتضائل أنفاسه يتوقف كلامه، شخص طيب مسالم هدأ فجأة فيصبح ساكناً.
أسأل أمي: ما به؟ لماذا لا يتكلم؟ لماذا أقفل عينيه هكذا؟ تجيبني أمي: لأنه مات، وإخواني الأكبر مني يستهزئون من سؤالي وجهلي في الأمر، وأصر على أمي، ماذا (مات) وما معنى ذلك؟ فتجيبني بحيرة ولا تعرف جواباً سهلاً تستطيع طفولتي أن تدركه، فتقول إنه مات، حان وقته ومات، ثم تقول الله موَّته، الله أخذ روحه،فأجيبها بذهول لا وصف له “إيش؟ ومين موته وما هذه الروح؟”.
فتزداد حيرتها وتقرر أن تفضي بمعلومات أكثر قسوة فلا مهرب من أسئلتي وإصراري، فهي تعرف عنادي من حداثة عمري لكنها تجهل بما أفكر فيه، تجهل ما يجول في تفكيري وبما يجول في قلبي فإني أفكر بأبي، إنها تجهل كل شيء عني، فهل الموت اللعين ينطبق على والدي أيضاً؟ وأمطرتُ والدتي بأسئلتي، سؤالاً وبعده سؤالاً وبعده سؤالاً، ولا تفهم قصدي فقصدي والدي.
فكيف أبعد عنه من ينعتوه بالموت؟ وبسرعة سألتها كيف يموت الإنسان؟ فحاولت والدتي تسهل أجوبتها إلى أقصى درجة فأجابت يموت الإنسان بعد أن يظهر الشيب في رأسه، فسكنت ويا له من سكون، وأصبح كل همي متى يصل والدي لأفحص رأسه عسى لا يوجد شيب في رأسه.
وارتفعت نبضات قلبي ولأول مرة في حياتي وشعرت بارتفاع حرارتي وأنتظر وأنتظر متى يصل أبي.
وأخيراً وصل أبي، ولأول مرة لم أسرع إليه وأتنازل عن شرف احتضان يده وملاعبة أصابعه بل انتظرت خائفاً قرب المقعد المخصص له، وتعالت صرخات إخواني وتسابقوا بصرخةٍ “الله يساعدك بابا” ولأول مرة يفوزوا علي بذلك.
أما أنا فانتظرت لحظة اقترابهِ وحال جلس والدي كشفت على رأسهِ، فيا هول ما رأيت، فرأس أبي فيه شيب.
تجمد كل شيء في جسدي، لا أدري ما أفعل مع هذا البغيض الموت الذي يأتي حال يظهر الشيب، فهذا أبي وكيف أنقذه؟ لا أدري لا أدري.
فأسرعت إلى سريري أبكي بكاء غريباً للآن أتذكره كأن الدموع تخرج من وسط صدري، وأسأل نفسي وأسأل نفسي “متى يموت أبي؟”.
لا إجابة عندي ولا أحداً لديه إجابة، محتار وسأموت من الحيرة دون الحاجه أن يملأ رأسي شيباً.
وأنا خائف وأرتجف في غرفتي المظلمه المرعبه أترقب الموت وأحاول أن افهمه، أسمع والدي يسأل عني وعن سبب غيابي، وأسمع والدتي تجيب “عجباً ! فهي فاهمة ما يدور في بالي وتفهمني جيداً وتفهم كل شيء عني” وأبلغت والدي بكل ما يدور في نفسي وحزني الثقيل بعدما شفت الشيب في رأسه الشامخ وسلَّمت لليقين بأنه سيموت.
فينفتح باب غرفتي وتُملأ الغرفة بالشروق والسعادة وبصوت والدي الجميل الحنون الجهور يناديني “حبييبي، كيفك إبني؟”، وجلس على حافة سريري وتأكد من حزني عليه ِ ومسح دموعي بكفوفه الدافئة ورفعني وحضني بشدة وقبلني كثيراً بقدر حزني المدفون، وخرجنا بالسيارة وحدنا دون الآخرين، وحُرِمَ الاخرون من دفء أبي على العشاء، خرجنا بالرغم من تعب والدي وإرهاقه فوالدي لا حدود لعطفه وحنيته علينا ولا يعرف التعب حينما يتعلق الأمر بنا.
تجولنا في ظلمة الليل في شوارع البصره الضيقه الجميله المعتمه المنيره، وبدأ يناقشني بأسلوبه الذكي المعتاد وكأنه مستعد لهذه المواجهة الصعبة جداً وكأنه درس الموقف منذ أعوام.
مناقشه مفتوحه، شفافه كلفت والدي دهراً من الوقت وأثقالا من الجهد والعاطفه والحزن، وشهدت أصعب مناقشة تمر على أبي، مناقشة بين أعظم رجل وأصغر طفل على الأرض.
فلم يكذبْ ولم ينكرْ ذلك المعتوه الموت، فكان يحدثني ويتلمس شعري مرةً ويتلمس وجناتي مرةً وقبلني كثيراً فكانت قبلات وداع مبكره، وشعرت بامتنانه الكبير لعشقي العظيم لهُ.
وليكسب الوقت ويرتاح قليلاً من هذا الموقف الصعب، فأوقف السيارة واشترى لي بسكوتاً مملحاً من الدكان الوحيد في ذلك الوقت المتأخر.
صارحني بأن الجميع سيموت وهو سيموت، وبعد أن أكبر ويصبح لي أولاداً وأشيب سيدركني الموت أيضاً ثم يموت أولادي وهكذا، ولم يسكتني كلامه وحجته وأنا أقرمش البسكوت ودموعي تتراكض فاختلط طعمها مع طعم البسكوت، فسألته مرةً أخرى وبصوت متقطع ممزوجاً بصوت بكاء حنون لست قادراً على إخفائه ولا قادر على إيقافه “يعني ستموت يا بابا؟”.
وانتهى النقاش بأن الجميع سيموت، ورجعنا وكفي الصغير غارق بكفهِ الكبير والبيت ساكن مُظلمْ فالجميع ذهب إلى سريره استعداداً ليوم جديد، وأعادني الى سريري مع هدية ٍ من المال كعادة والدي وكرمه الذي يسبقه دائماً، وحَضنت علبة البسكوت فهي هدية عزيزة من أبي ونمت باكياً ولم أحصل على إجابة “متى يموت أبي”.
زيد